المقدمة:
رغم أن التأثر بمدارس القانون الوضعي كان جليا في جل
التشريعات العربية الإسلامية إلا أن هذا لا يمنع القول بكونها استقت مجموعة من
المبادئ والمؤسسات القانونية من أحكام الشرع الإسلامي، بحيث أن الفقه الإسلامي
استطاع بالفعل أن يؤصل لمجموعة من المؤسسات والمبادئ القانونية تأصيلا علميا رصينا
جعلها تصلح كقاعدة صلبة ومصدر مادي لمجموعة من النصوص المسنونة من قبل المشرعين في
دول العالم العربي والإسلامي، ولم يقف هذا التأثير عند حد قوانين الأحوال الشخصية
التي ظلت إلى عهد قريب في هذه الأقطار خاضعة بشكل مطلق لمرجعية الفقه الإسلامي
بتعدد مذاهبه، بل تجاوز الآمر ذلك إلى المادة المدنية في عمومها.
والمشرع المغربي لم يشذ عن هذه القاعدة المذكورة سلفا إذ
رغم أن قانون الالتزامات والعقود صدر في مستهل فترة الحماية إلا انه تأثر إلى حد
كبير بمجموعة من مبادئ الفقه الإسلامي، وهو ما يفسره كون هذا النص الذي يعد العمود
الفقري للتشريع المدني والتجاري المغربي مقتبسا من مجلة الأحكام التونسية التي
أشرفت على صياغتها لجنتان الأولى تتكون من مجموعة من فقهاء القانون الأوربيين،
اختصت بإعداد مشروع القانون المدني والتجاري التونسي، والثانية تتكون من مجموعة من
فقهاء الشريعة الإسلامية انتخبوا من قبل تونس لتوجيه نظر النظر الشرعي في المشروع
المذكور سلفا من هذا المنطلق، فإن المشرع في النص المذكور اغترف من الفقه الإسلامي
إلى درجة التماهي أحيانا، ومن بين حقول التماهي هذه المسألة ما يتعلق ببيع المريض
مرض موت المنظم بمقتضى الفصول 479 والذي أحال بدوره على الفصول 344 و 345 وهي
المواد التي تعرضت بشكل مقتضب لبيع المريض مرض موت وأحكامه، دون تفصيل مما يجعل
مناطق الغموض في هذا الحقل كثيرة ومتشعبة، الأمر الذي يستدعي البحث بشكل معمق
لاستجلاء هذا الغموض ومن هنا يكتسي موضوع عرضنا هذا أهميته.
لكن حتى يتسنى للدراسة أن تكون منتجة ولتفادي الانزلاق
فإن الأمر يقتضي حصر موضوع البحث من خلال الأسئلة المحورية التي يثيرها الموضوع،
ومحاولة الوقوف على ابرز ملامح الإجابة عليها مع مراعاة الضوابط المنهجية،
فبالرجوع إلى موضوع البحث وهو بيع المريض مرض موت أن الأمر يتعلق بوقائع مادية تضافرت
مع تصرف قانوني، وأنتجت أحكاما معينة، من هنا فإن التساؤل المحوري الذي يثور لمجرد
ملامسة الموضوع هو ماهية مرض الموت؟ وآثاره على البيع كعقد من العقود المسماة
المنظمة من قبل المشرع المغربي في إطار قانون الالتزامات والعقود؟ وهو ما تقتضي الإجابة
عليه تقسيم الموضوع إلى فرعين، الأول سوف يفرد لتحديد ماهية مرض الموت ليخصص
الثاني لتحديد آثاره.
الفرع الأول: ماهية مرض الموت.
إن تحديد ماهية مرض الموت بشكل دقيق لا يستلزم الحسم في
مسالة التعريف فقط، بل يوجب كذلك الوقوف على شروط تحققه التي تدخل في صلب التفريق
ولا تنفصل عنه، وهو ما ستخصص له الفقرة الأولى مع شفع ذلك بتحديد معالم نظام الإثبات
المتعلق بهذا الحقل وذلك اعتبارا لكون مرض الموت بمعزل عن الإثبات يبقى مفتقرا لأي
قيمة قانونية.
الفقرة الأولى: مدلول مرض الموت وشروط تحققه:
لم يشذ المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود عن
القاعدة التي تجعل التعاريف من اختصاص الفقه والقضاء، وذلك لما في التعريف من طرف
المشرع من مساس بشكل جزئي بخاصيتي العمومية والتجريد للقواعد القانونية المنظمة
للموضوع المعرف به، ومن هذا المنطلق عزف المشرع عن تعريف مرض الموت.
واستنادا على ذلك فان استخلاص تعريف مرض الموت يستلزم
الرجوع إلى المصدر المادي للمقتضيات المنظمة لهذا الحقل ألا وهي قواعد الفقه الإسلامي
كما أسلفنا، وبرجوعنا إلى هاته القواعد نجد آن الآراء تعددت دون أن تصل حد التضارب
لا سيما أن الفقهاء اجمعوا على أن مرض الموت هو المرض المخوف أي الذي يغلب فيه
الموت سواء كان المريض صاحب فراش أو لم يكن، وهو المرض الذي يعجز معه المريض عن
رؤية مصالحه والقيام بشؤونه العادية.
وبالرغم من كون الفقه الإسلامي لم يختلف حول تعريف مرض
الموت إلا أن هناك فروقا بسيطة تتجلى في كون مرض الموت هو ما يخاف منه الهلاك ويتصل
بالموت ولو وقع الموت لسبب آخر غير المرض كما ذهب إلى ذلك فقهاء المذهب الحنفي.
أما الشافعية فقد عرفوا مرض الموت بأنه هو كل مرض كان الأغلب
فيه الموت، ومن ذلك ما أورده الماوردي وهو ما لا تتطاول بصاحبه معه الحياة، ونقل
عن الشافعي اقره انه لا يشترط في كونه مخوفا عليه الموت منه بل عدم نذرته.
أما فقهاء المذهب الحنبلي فقد عرفوه بأنه المرض المخوف
الذي يغلب على القلب منه إذ يتساوى في الظن جانب البقاء والموت.
وقد عرفه فقهاء المذهب المالكي بكون مرض الموت هو ما حكم
الطب بكثرة الموت فيه.
ومن خلال كل هذه التعاريف المتقاربة فيما بينها يمكننا أن
نعرف مرض الموت المعيب للإرادة بأنه ذاك المرض المخوف أي الذي يخشى منه الموت
وينتهي بالموت عادة، بحيث يؤثر على نفسية المريض مما بجعله بقدم على القيام ببعض
التصرفات القانونية التي ما كان ليقوم بها لو كان غير معتل الجسد.
الفقرة الثانية: شروط تحقق مرض الموت.
يمكننا أن نستخلص من التعاريف التي أوردها فقهاء الشرعية
الإسلامية لمرض الموت شرطين أساسيين لاعتبار المرض مرضا موت.
الشرط الأول: أن يكون المرض مخوفا.
مقتضى هذا الشرط أن المرض لا يعتبر مرض موت إلا إذا كان
مرضا مخوفا أي يخاف منه الموت، ومرد ذلك إلى كثرة حصول الوفاة بهذا المرض، قال
التسولي المرض المخوف هو الذي حكم أهل الطب بكثرة الموت به، وفي نفس الإطار قضت
محكمة النقض في احد قراراتها بما يلي: " لكن حيث انه من الثابت فقها وقضاء أن أهم شروط اعتبار المرض مرض موت
هو أن يكون هذا المرض مخوفا أي أن يكون من الأمراض الخطيرة التي لا يرجى منها أي
شفاء من الناحية الطبية، وتؤدي بصاحبها غالبا إلى الوفاة ".
قرار محكمة لنقض عدد 6742 بتاريخ 29/10/1997 ملف مدني
عدد 4725/93.
الشرط الثاني: أن يكون المرض متصلا بالوفاة:
مقتضى هذا الشرط انه لكي يعتد بالمرض ويعتبر مرض موت
موجبا لإبطال التصرفات المجراة خلاله، يجب أن يكون متصلا بالوفاة، أي أن تحدث
الوفاة بعد مدة من الإصابة بالمرض، وهذا ما خلصت إليه مجلة الأحكام العدلية في
المادة 1595 بحيث عرفت مرض الموت بأنه هو الذي يغلب فيه خوف الموت ويعجز المريض عن
رؤية مصالحه خارج داره أن كان من الذكور وعن رؤية مصالحه داخل داره أن كان من الإناث
ويموت على ذلك داخل أجل سنة، سواء كان صاحب فراش أو لم يكن وإن امتد مرضه ومضت
عليه سنين وهو على حال واحدة كان في حكم الصحيح.
وقد ساير القضاء المغربي هذا التوجه مع بعض التلطيف وذلك
باستبعاد شرط كون المريض عاجز عن قضاء حوائجه، وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض في
قرارها عدد 5431
المؤرخ في 04/12/2012 ملف مدني عدد
403/1/2/2012 والذي جاء فيه: "انه لا يشترط
في مرض الموت المعدم للإرادة أن يكون مقعدا صاحبه عن قضاء حوائجه وملزما إياه
الفراش، بل يكفي فقط أن يجمع الطب على أن تحقق الشفاء مستبعد وأن المرض ينتهي عادة
بالوفاة، وانه يمكن إبطال العقد بسبب مرض الموت إذا وقعت الوفاة قبل انتهاء سنة من
إبرام العقد بسبب المرض".
وتجدر الإشارة إلى أن مرض الموت لا يفترض فيه أن يكون
معدما للإرادة أو الإدراك، يل يكفي أن يثبت للمحكمة تحقق واقعة المرض، جاء في قرار
لمحكمة النقض ما يلي:
" لكن حيث إن المحكمة ثبت لها – حسب ما أوضحته في تعليلها -
أن البيع تم في مرض موت البائع ، وثبت لها محاباة البائع للمشتريات اعتمادا على
الفرق في قيمة العقارين ورتبت على ذلك ما تقرره أحكام ف 479 ق ل الذي لا يستلزم
انعدام الإدراك والتمييز ، مما يبقى معه الفرع على غير أساس".
القرار
عدد : 979 المؤرخ
في : 12/03/2008 ملف مدني عدد : 291/1/2/2005
و بعد محاولتنا استجلاء ماهية مرض الموت وشروط تحققه وفق
المسطر أعلاه سنحاول أن نقف على معالم نظام الإثبات باعتبار القيمة القانونية لمرض
الموت وجودا وعدما، مع ترتيب أثاره، وهو ما لا يتأتى إلا بإثباته حتى يكون منتجا
وهو ما سنحاول الوقوف عليه من خلال الفقرة الثالثة.
الفقرة الثالثة: معالم نظام الإثبات في مرض الموت.
هناك فاعلان أساسيان في نظام إثبات مرض الموت، أولهما
التصرف المتمثل في عقد البيع والثاني واقعة المرض، فبالنظر إلى الأول فإن تاريخ
التصرف يبقى حاسما في التحقق من توافر شروط الأجل المذكور في الفقرة الثانية، أي
اجل السنة من تحقق الوفاة ، فالبيع الذي يتم خلال المرض وداخل اجل سنة من تاريخ
وفاة البائع، يكون قابلا للإبطال قضاء لعلة المرض، ولما يكون قد شاب إرادة البائع
من شوائب كأن يكون البيع مرتبطا بمحاباة أو توليج، ولكون البائع ما كان ليقدم على إبرام
التصرف لو كان في كامل صحته.
فإذا كان البيع رضائيا توجب على صاحب المصلحة في إبطال
البيع لكونه تم خلال فترة مرض أن يثبت
الواقعة المدعى بها، وكونها تمت خلال الفترة المقررة شرعا أي خلال مدة السنة.
أما في التصرفات التي تقتضي إفراغها في شكل معين فإن
ثبوت التاريخ في المحرر يخفف من وطئ إثبات تاريخ التصرف وهل تم خلال مرض الموت أم خارجه،
لكون التاريخ الوارد في العقد يعتبر هو تاريخ التصرف وعلى مدعي خلاف ذلك يقع عبء إثبات
العكس.
ويخضع إثبات واقعة مرض الموت للقاعدة العامة المقررة لإثبات
الوقائع القانونية، ألا وهي حرية الإثبات، وبالتالي يمكن إثبات المرض بجميع
الوسائل المقررة تشريعا، ومن بين هذه الوسائل شهادة الشهود، الا ان هذه الشهادة
يجب ان لا تتعارض مع الاشهاد بالاتمية الذي يشهد به العدلان محررا العقد، تطبيقا
لقاعدة تقديم بينة الصحة على بينة عدم الصحة او المرض، لان بينة الصحة حالة
مستصحبة وهي الاصل، بينما الاستثناء هو المرض، وفي هذا الاطار قضت محكمة النقض في
احد قراراتها بما يلي:
لكن
حيث إن محكمة الموضوع غير ملزمة بتعقب أقوال الخصوم والرد على كل منها استقلالا
متى كانت غير منتجة في النزاع والقرار المطعون فيه حينما لم يناقش الدفع المثار
بشأن الوكالة عدد 131 فلأنه غير مؤثر وقضاء ضمني برده ذلك أنه ورد التنصيص
بالوكالة المذكورة على أتمية الوكيل وقت إبرام الوكالة، وهي تعني الشهادة ظاهرا
بكونه صحيح العقل والبدن وطائعا رشيدا، ومعلوم فقها أن الأظهر في الترجيح البينة
العادلة على كثرة الشهود ولذلك فشهادة عدلي التلقي بأتمية الموكل أرجح من شهادة
اللفيف عدد 459 التي تشهد بمرضه منذ سنة 1990 واتصاله إلى وفاته سنة 1994 ومرجحة
كذلك بناء على أنها تشهد بصحة العاقدين وبينة الصحة في العقود مقدمة فقها على بينة
المرض أو عدم الصحة لأنها هي الأصل لقول المتحف:
"القول قول مدع للأصل */* أو صحة في كل فعل فعل ". ومادام أنه بينة
الصحة مقدمة وهي حالة مستصحبة وفق الثابت أصلا إلى تاريخ إبرام الموكل للبيع
للغير فإن ما قضى به القرار من عدم قبول طلب قسمة الدار الكائنة بشارع المستشفى
الحسني بعلة أنها مباعة من الهالك بواسطة وكيلته إلى سلف المطلوب علال أشهبون قائم
على أساس قانوني وفقهي وما جاء في السبب
غير جدير بالاعتبار".
قرار محكمة النقض عدد 503
بتاريخ 09/11/2005 ملف شرعي عدد 66/2/1/2004
إلا أنه في
نظرنا المتواضع، نرى أن مرض الموت باعتباره علة تصيب الإنسان في جسده، قد تكون
ظاهرة وقد تكون خفية، وفي غالب الأحيان لا يمكن الكشف عليها ولا اكتشافها إلا من
قبل ذوي الاختصاص والخبرة، وبالتالي يمكننا أن نعتبر أن إثبات مرض الموت يجب أن يكون
بواسطة الشواهد الطبية والملف الطبي للمريض كدرجة أولى، وتبقى وسائل الإثبات الأخرى
تليها في المرتبة.
وبعد أن تطرقنا لمرض الموت وعرفناه ووقفنا على شروطه،
يحق لنا أن نتساءل عن آثار مرض الموت على البيع المبرم من المريض إما لفائدة احد
ورثته أو لفائدة أحد الأغيار.
الفرع الثاني: حكم البيع المنجز في مرض الموت.
الأصل في الإنسان الراشد كمال أهليته ويعتبر نقص الأهلية
استثناء من القاعدة العامة يتوجب إثباته، وأثناء حياة الإنسان قد تتحقق فيه بعض
الحالات التي قد تؤثر على أهليته فتعدمها بشكل كلي كحالة الجنون فيكون التصرف
باطلا، أو بشكل جزئي فيكون التصرف قابلا للإبطال.
ومن بين الحالات التي أثارت نقاشا ولا زالت تثيره حالة
البيع الذي يبرم أثناء مرض البائع مرض الموت، فهل يعتبر هذا البيع صحيحا أم باطلا؟
وكيف نظم المشرع هذه الحالة؟ وما هو موقف القضاء المغربي من صحة هذا التصرف؟
سنحاول معالجة مسألة بيع المريض مرض الموت والإشكاليات
المرتبطة بها من خلال التصدي للبيع الذي يتم لفائدة احد الورثة ، وبعد ذلك التطرق
للبيع الذي يتم لأحد الأغيار، مع ربط توجه المشرع مع ما استقر عليه الفقه الإسلامي
وخصوصا الفقه المالكي، مرورا بما استقر عليه عمل محكمة النقض باعتبارها المرجع
الأول للعمل القضائي المغربي.
الفقرة الأولى: حكم البيع المنجز لأحد الورثة.
يعتبر الأصل في التصرفات القانونية الصحة إلى أن يثبت
عكس ذلك، وينطبق نفس الحكم على التصرفات التي يبرمها الإنسان حين مرضه سواء كان
مرضا مخوفا أو غير ذلك، إذ انه لا يمكن الجزم برأي حاسم وقار بخصوص مصير تصرفات
المريض مرض موت، لكونها تتراوح بين الصحة والبطلان، وذلك بحسب الظروف والملابسات
التي حصل فيها التصرف، فالمرض لا يعتبر مانعا في حد ذاته للمريض من التصرف في أمواله
شانه في ذلك شان الأصحاء ما دام التصرف الذي قام به لا يضر بحقوق دائنيه وورثته.
ويعتبر بيع المريض في مرضه الذي مات منه بيعا نافذا إن
لم تكن فيه محاباة إذ لا حجر على المريض في المعاوضات كما أورد الشيخ خليل: وحجر
على المريض في غير مؤونته وتداويه ومعاوضة مالية.
وبالرجوع لقانون الالتزامات والعقود نجده ينص في الفصل
479 ق.ل.ع على أن البيع المعقود من المريض في مرض موته تطبق عليه أحكام الفصل 344 ق.ل.ع
إذا اجري لأحد ورثته بقصد محاباته، كما إذا بيع له شيء بثمن يقل كثيرا عن قيمته
الحقيقية أو اشتري منه شيء يجاوز قيمته أما البيع المعقود لغير وارث فتطبق عليه أحكام
الفصل 345.
أما الفصل 344 ق.ل.ع المحال عليه نجده ينص على ما يلي: الإبراء
الحاصل من المريض في مرض موته لأحد ورثته من كل أو بعض ما هو مستحق عليه لا يصح إلا
إذا اقره باقي الورثة.
يستفاد من الفصل 344 ق.ل.ع أن البيع الذي يتم من المريض
في مرض موته لأحد الورثة تطبق عليه أحكام الإبراء من الالتزام، وبالتالي فإن باع
المريض مرض موت ماله لوارث يكون البيع صحيحا ، لكن إن شاب البيع محاباة الوارث
المشتري توقفت صحة البيع على إقراره وإجازته
من طرف الورثة الآخرين،
واهم ما يلاحظ على الفصلين 479 و 344 ق.ل.ع فيما يتعلق
بالبيع الذي يتم في مرض الموت لأحد الورثة هو أن المشرع المغربي لم يخرج عن المقرر
في الفقه المالكي عند تنظيمه لهذا الموضوع، فقد لخص صاحب التحفة هذا الحكم فيما
يلي:
وما بـه الــوارث حابى منعــا وان يجـــزه الوارثـون اتبعـــا
والمحاباة هي الموالاة والتفضيل لأسباب شخصية أو عاطفية
تجعل الشخص المريض يميل إلى محاباة الطرف المستفيد وتخصيصه بحق أو امتياز دون
سواه، ويصطلح على المحاباة بالتوليج والذي عرفه فقهاء المالكية تفويت الشخص ملكه
لمن يتهم عليه كولده وزوجته وصديقه الملاطف بدون مقابل في فترة مرض الموت بقصد
حرمان باقي الورثة.
وقد قرر القضاء المغربي هذه القواعد واستقر عليها، فقد
قضي بإبطال عقد البيع المبرم لوارث خلال مرض الموت لوجود عنصر المحاباة، هذا الأخير
الذي يثبت بالفرق الملموس بين الثمن الحقيقي والثمن المحدد للبيع، جاء في قرار
لمحكمة النقض ما يلي:
" لكن
حيث إن الشهادة الطبية الصادرة عن الدكتور سمير بركاش على إثر المراقبة السريرية
المجراة على البائعة تفيد أنها كانت مريضة بمرض السرطان وبعد خضوعها لعملية جراحية
في 9/1991 والمعالجة والإشعاع والكيمياء ظهر تلف بالرئة اليسرى ، وأنها كانت تعاني
من حالة قلق دائم ، وبناء على ما جاء في الشهادة الطبية فقد ثبت للمحكمة أنها كانت
مريضة مرض الموت ولم تر أي جدوى من مناقشة الشهادة الطبية المدلى بها من طرف
الطاعن والتي جاء فيها أنها في صحة جيدة وفي كامل قواها العقلية والبدنية وهو ما ينفيه
الملف الطبي المذكور . وحيث من جهة أخرى فإن عنصر المحاباة سبق للمجلس الأعلى أن
أقره بمقتضى القرار 1257/1/2/2000 الصادر في 20/6/2001 والذي اعتبر أن المحاباة
ثابتة بالفارق الملموس بين الثمن الحقيقي والثمن المحدد للبيع وأن تحويل ثمن
400000,00 درهم باعتباره ثمنا للبيع إلى إيراد عمري قدره 2000,00 درهم لفائدة
بائعة مسنة ومصابة بمرض في مراحله الأخيرة بدليل تحقق الوفاة بعد سنة تقريبا على
البيع لم يؤد خلالها سوى مبلغ 24000,00 درهم من الثمن لا يمكن إلا أن يعكس قيام
عنصر المحاباة وبالتالي تحقق الشروط المبررة لإبطال العقد ، وأن ما علل به القرار
المطعون فيه تحقق عنصر المحاباة تعليل سليم والوسيلة على غير أساس.
2031
تاريخ 6/6/2007 ملف مدني عدد 57/1/2/2005
وجاء في قرار آخر لنفس المحكمة:
" لكن حيث
انه من الثابت فقها وقضاء أن أهم شروط اعتبار المرض مرض موت هو أن يكون هذا المرض
مخوفا أي آن يكون من الأمراض الخطيرة التي لا يرجى منها أي شفاء من الناحية الطبية
وتؤدي بصاحبها غالبا إلى الوفاة.
وحيث انه بما لقضاة الموضوع من سلطة تامة في تقدير قيمة
الحجج المعروضة عليهم دون رقابة عليهم من طرف المجلس الأعلى إذا لم ينع عليهم أي
تحريف لها، وفي إطار هذه السلطة فإن قضاة النازلة بعدما تفحصوا الحجج المعروضة
علهم من الطرفين تأكد لهم من خلال الشهادتين الطبيتين غير المنازع في صحتهما، أن
الهالك كان مصابا بمرض تشمع الكبد والنزيف الهضمي وانه مرض مخوف وقاتل ويعتبر مرض
موت كما استخلصوا من هذه الحجج أن البائع قصد محاباة أبنائه إذ انه حسب اللفيف عدد
385 كان يفضل أبناؤه الذكور ويميل إليهم في حين كان يجافي بناته وأن الثمن الذي
بيع به العقار يقل عن الثمن الحقيقي الذي حدده الخبير..."
قرار
عدد 6742 بتاريخ 29/10/97 ملف مدني
4725/93
وتلزم محكمة الموضوع بالاستجابة لطلب إبطال البيع الحاصل
لأحد الورثة إذا كان مشوبا بالتوليج، ويترتب عن رفضها مناقشة الإبطال لهذه العلة
نقصان التعليل الموازي لانعدامه مما يترتب عنه نقض القرار، وفي هذا الإطار قضت
محكمة النقض في احد قراراتها بما يلي:
" حقا حيث إنه
من بين الأسباب المعتمدة من طرف الطاعنين لإبطال البيع كنوع فيه توليج يخفي هبة، و
رغم أن الطاعنين نازعوا ضمن أسباب استئنافهم في صحة أداء المطلوبة في النقض لثمن
البيع و تأسيسا على أن الموثق لم يعاين أداء الثمن و على كون الموروث لم يكن في
حاجة لبيع عقار في آخر حياته لتوفره على تغطية علاجية كاملة، إلا أن المحكمة اكتفت
في تعليلها برفض طلب إبطال البيع لإبرامه في مرض الموت و أهملت البت في سبب
الإبطال المرتكز على التوليج، مما كان معه القرار ناقص التعليل و عرضة للنقض ".
القرار عدد 2251 المؤرخ في 10/05/2011 ملف
مدني عدد 3515/1/2/2010
وعليه يتعين القول إن المشرع المغربي حين قرر قواعد
البيع الذي يتم من المريض مرض موت لأحد ورثته اعتمد على المستقر عليه في الفقه
المالكي، وبالتالي فإن المريض يحق له بيع ماله لوارث إذا لم يكن هذا البيع مقترنا
بمحاباة من شانها أن تعيب العقد وتخول للورثة المطالبة بإبطاله.
فكيف تعاطى المشرع مع بيع المريض ماله لأجنبي؟
الفقرة الثانية: حكم البيع المنجز لأحد الأغيار.
نظم المشرع المغربي حالة بيع المريض مرض موت ماله لأجنبي
بمقتضى الفصل 345 ق.ل.ع بعدما أحال عليه
الفصل 479 من نفس القانون، فالفصل 345 ينص على أن الإبراء الذي يمنحه المريض في
مرض موته لغير الوارثين يصح في حدود الثلث من التركة بعد سداد ديونه ومصروفات
جنازته.
وبالتالي فإن البيع الذي يبرمه المريض في مرض موته لأحد الأجانب
يعتبر صحيحا إلا إذا خالطته جرثومة المحاباة، كأن يكون ثمن البيع اقل من الثمن
الحقيقي للمبيع، ففي هذه الحالة لا يكون البيع صحصحا إلا في حدود الثلث من التركة
بعد سداد ديون الهالك وإخراج مصاريف جنازته.
وهذا الرأي استقاه المشرع المغربي من الراجح في الفقه
المالكي، الذي يقرر انه إذا باع المريض ماله لأجنبي بأقل من ثمن المثل وما يتغابن
الناس بمثله ، فإما أن يقصد ببيعه بأقل من ثمن المثل نفع المشتري وإما أن لا يقصد
ذلك . ففي الحالة الأولى فإن قصد ببيعه ماله بأقل من قيمته بكثير نفع المشتري ،
فما نقص عن القيمة يعتبر محاباة حكمها حكم الوصية للأجنبي ، تنفذ من ثلث ماله إن
حطها الثلث ، وتبطل في القدر الزائد على الثلث إن لم يجزها الورثة، وإن أجازوها
جازت وتكون ابتداءً عطية منهم تفتقر إلى الحوز. والوقت المعتبر في تقدير قيمة
المبيع هو وقت البيع لا وقت موت البائع، أما في الحالة الثانية إذا لم يقصد ببيعه
ماله بأقل من قيمته بكثير نفع المشتري ، كأن وقع منه ذلك جهلاً بقيمته , فهو غبن
يصبح معه البيع على البدل المسمى وينفذ ولا يعتبر النقصان عن ثمن المثل من الثلث
مهما بلغ.
وهذا الرأي قرره ابن عاصم في التحفة التي جاء فيها ما يلي:
وما
اشترى المريض أو ما باعــا إن هو مات يأبى
الامتناعــــا
فإن
يكــن حابـى به فالأجنبي من ثلــثه يأخذ مـا به حبـــي
وفي نفس السياق يؤكد الشيخ ابن سلمون بأن بيع المريض
وشرائه جائز ما لم يحاب فيكون ذلك في ثلثه لغير الوارث إلا ان يجيز ذلك الورثة
فتكون هبة مفتقرة للحيازة.
وفي هذا الاطار قضت محكمة النقض في أحد قراراتها بما
يلي:
"حقا
حيث إنه بمقتضى الفصل 345 من ق ل ع, فإن الإبراء الحاصل من المريض في مرض موته
لغير وارث يصح في حدود ثلث تركته... و
بمقتضى الفصل 479 من نفس القانون فإن البيع المعقود من المريض تطبق عليه أحكام
الفصل 345 من ق ل ع.
و حيث إن المطلوبين في النقض التمسوا إبطال عقد البيع المؤرخ
في 11-06-1996 بناء على الفصلين 479 و 345 من ق ل ع.
و حيث إن الثابت من القرار المطعون فيه أن الطاعن
(المشتري) ليس وارثا في البائعة له مورثة المطلوبين في النقض, و هو ما يعني أنه في
حكم الفصلين المذكورين و ان شراءه يبقى
صحيحا في حدود ثلث تركة الهالكة البائعة له, و المحكمة لما قضت بإبطال عقد البيع
برمته دون إعمال لمقتضيات الفصل 345 من ق ل ع المحال عليه بمقتضى الفصل 479 من نفس
القانون, تكون قد طبقت الفصلين المذكورين تطبيقا خاطئا و عرضت قرارها للنقض "
.
قرار
محكمة النقض عدد 94 المؤرخ في :
06/01/2010 ملف مدني عدد 287/1/2/2008
وخلاصة لما سبق يمكن أن نستنتج أن المشرع المغربي ساير
الراجح في الفقه المالكي وما استقر عليه الرأي، فأجاز بيع المريض مرض موت ماله لأحد
الأغيار ما دام البيع قد تم بالقيمة الحقيقية للمبيع، لكون المريض غير محجور في
ماله، وقرر إمكانية إبطال هذا التصرف بإثبات المحاباة التي يمكن استخلاصها من
وقائع النازلة، لكن الإبطال لا يطال إلا ما زاد عن الثلث من التركة بعد إخراج
الحقوق المتعلقة بها.
لكن يبقى لنا أن نتساءل عن القيمة التي اقرها القضاء للإشهاد
بالاتمية الصادر عن العدلين محرري عقد البيع؟
الفقرة الثالثة: اثر الاتمية على بيع المريض مرض الموت.
يعتبر الإشهاد بالاتمية شهادة صادرة عن العدلين
المنتصبين لإبرام عقد البيع، من خلالها يؤكدون أن البائع كان لحظة إبرام عقد البيع
راشدا سليما معافى في عقله وبدنه، مما يعتبر معه عقد البيع صحيحا ومرتبا لجميع آثاره
القانونية.
وقد استقر عمل محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا) في
العديد من القرارات على اعتبار التصرفات التي يبرمها المريض في مرض الموت صحيحة
عندما يكون العقد حاملا لتأشيرة العدلين موثقي العقد، فمجرد التنصيص على الاتمية
يترتب عنه اعتبار التصرف صحيحا ما لم يثبت التوليج أو المحاباة الذين من شانهما إفساد
التصرف القانوني للمريض.
وبالرجوع لقضاء محكمة النقض نجد العديد من القرارات التي
تصب في اتجاه ترسيخ هذا التوجه، من هذه القرارات ما يلي:
- قرار المجلس الأعلى عدد 2567 بتاريخ 20/07/1994 الذي
جاء في تعليله ما يلي:
" لكن
فمن جهة إن الاتمية تعني فقها الطوع والرشد وصحة العقل والبدن ومن جهة أخرى فإن
الشهادة الطبية التي لوحظ فيها لأول مرة مرض البائع أنها حررت بعد تاريخ البيع
بثلاثة أيام وهو ما جعل المحكمة تصرح بعدم ثبوت انه كان مريضا وقت إبرامه للبيع".
- قرار
المجلس الأعلى (محكمة النقض) عدد 809 بتاريخ 25/12/1983 : يعتبر الرسم العدلي الذي
يشهد فيه العدلان بأتمية المشهود عليه حجة رسمية على انه لم يكن وقت الإشهاد مريضا
مرض الموت.
- قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض) عدد 6013 بتاريخ
21/11/1995 : " الثابت من عقد البيع أن العدلين شهدا باتمية البائع وان من المقرر
فقها أن الاتمية تعني الطوع والرشد وصحة العقل والبدن وأن بيع المريض في مرضه الذي
مات منه يعتبر نافذا إن لم تكن فيه محاباة إذ لا حجر على المريض في المعاوضات كما
هو مفهوم من قول الشيخ خليل: وحجر على المريض في غير مؤونته وتداويه ومعاوضة مالية".
فمن خلال ما سبق نستنتج أن محكمة النقض (المجلس الأعلى
سابقا) استقرت على اعتبار الإشهاد بالاتمية حجة قاطعة لا يمكن إثبات عكسها بوسائل
أخرى، إلا أن الإشكال يطرح وبحدة عن القيمة الثبوتية لهذا الإشهاد في الحالة التي
يكون فيها البائع مريضا مرض موت إلا أن مرضه غير ظاهر ويشهد العدلان بالاتمية وفقا
للمعاينة الظاهرة للبائع، لكن البائع يتوفى بعد ذلك نتيجة للمرض الذي كان يعاني
منه؟ فهل يمكن للشهادة الطبية التي تثبت المرض أن تنقص من قوة الإثبات التي يحوزها
الإشهاد العدلي بالاتمية؟
من خلال اطلاعنا على مجموعة من القرارات الصادرة عن
محكمة النقض ( المجلس الأعلى سابقا) نجدها
قد استقرت على تغليب الشهادة بالاتمية على غيرها من الحجج التي يمكن أن يتمسك بها
ورثة البائع أصحاب المصلحة في إبطال عقود مورثهم، فبرجوعنا للقرار عدد 2567 نجد أن
المحكمة رجحت الإشهاد بالاتمية على الشهادة الطبية المثبتة لمرض الموت، إلا أن
محكمة النقض مؤخرا لطفت من حدة هذا التوجه، واعتبرت أن الاتمية المشهود بها على
البائع إنما تقتصر على الحالة الظاهرة ولا يمتد أثرها إلى الأمراض الخفية التي
يرجع القول فيها للأطباء من ذوي الاختصاص.
فقد جاء في قرار محكمة النقض عدد 5431 المؤرخ
في 04/12/2012 ملف مدني عدد
403 /1/2/2012 ما
يلي:
" لكن
حيث إن الأتمية المشهود بها على البائع إنما تقتصر على الحالة الظاهرة و لا يمتد
أثرها إلى الأمراض الخفية التي يرجع القول فيها للأطباء من ذوي الاختصاص، و
المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما عللت ما قضت به: " بأن عقد البيع و إن
تم تحريره من طرف العدلين و إن شهدا بأتمية البائع، فإن هذه الأتمية الظاهرة
تفندها الشواهد الطبية و الملف الطبي للبائع خيري عبد العزيز الذي كان يعاني من
مرض السرطان و مرض تورم الدماغ الذي يعتبر من أصناف مرض الموت المؤدي إلى الوفاة
لا محالة، فضلا على انه ابرم قبل شهرين اثنين من وفاة الهالك المذكور" يكون
قرارا مرتكزا على أساس قانوني سليم و الفرع من الوسيلة على غير أساس ".
فمن خلال ما سبق يتضح أن قيمة الإشهاد بالاتمية في مقابل
الشواهد الطبية تراجعت قوتها الإثباتية عما كان عليه الحال سابقا من خلال ما استقر
عليه عمل المجلس الأعلى مما يعتبر انسجاما مع التطور الذي يعرفه مفهوم مرض الموت
عما كان عليه من قبل، فمرض الموت حاليا قد لا يقعد الشخص عن القيام بمصالحه خارج
داره إن كان من الذكور أو داخل داره إن كان من الإناث كما قرره الفقه الإسلامي
سابقا، مما يعتبر معه تقدير تحقق مرض الموت الذي من شأنه أن يعيب التصرف من اختصاص
ذوي الخبرة ، وبالتالي فإن الإشهاد بالاتمية من عدمه لا يبقى له كبير تأثير على
صحة العقد إن ثبت مرض البائع مرض موت بشهادة ذوي الاختصاص.